أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
145
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
مبنيا للمفعول من أركنه ، إذا أماله فهو من باب « لا أرينّك ههنا » - فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ، وقد تقدم و « الرّكن » : الميل ، ومنه : الرّكن للإسناد إليه . قوله : فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وهو منصوب بإضمار « أن » في جواب النهي . وقرأ ابن وثاب وعلقمة والأعمش في آخرين « فتمسّكم » بكسر التاء ، وقد تقدم . قوله : وَما لَكُمْ هذه الجملة يجوز أن تكون حالية أي : يمسكم حال انتفاء ناصركم ، ويجوز أن تكون مستأنفة . و « مِنْ أَوْلِياءَ » من : فيه زائدة إما في الفاعل ، وإما في المبتدأ ، لأنّ الجار إذا اعتمد على أشياء ، أحدها : النفي ، رفع الفاعل . قوله : ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ العامة على ثبوت نون الرفع ، لأنه فعل مرفوع ، إذ هو من باب عطف الجمل ، عطف جملة فعلية على جملة اسمية ، وقرأ زيد بن علي رضي اللّه عنهما بحذف نون الرفع عطفه على « تمسّكم » والجملة على ما تقدم من الحالية أو الاستئناف فتكون معترضة ، وأتى ب « ثُمَّ » تنبيها على تباعد الرتبة . قوله : طَرَفَيِ النَّهارِ . ظرف ل « أَقِمِ » ، ويضعفه أن يكون ظرفا ل « الصَّلاةَ » كأنه قيل : أي أقم الصلاة الواقعة في هذين الوقتين والطّرف وإن لم يكن ظرفا ، ولكنه لما أضيف إلى الظرف أعرب بإعرابه ، وهو كقولك ؛ « أتيته أول النّهار وآخره ونصف اللّيل » بنصب هذه كلها على الظرف ، لما أضيف إليه ، وإن كانت ليست موضوعة للظرفية . وقرأ العامة « وَزُلَفاً » بضم الزاي وفتح اللام ، وهي جمع « زلفة » بسكون اللام ، نحو : غرف في جمع غرفة وظلم في جمع ظلمة ، وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق بضمهما ، وفي هذه القراءة ثلاثة أوجه : أحدها : أنه جمع « زلفة » أيضا ، والضم للاتباع ، كما قالوا : بسرة وبسر بضم السين اتباعا لضمة الباء . والثاني : أنه اسم مفرد على هذه الزنة ، ك « عنق » . والثالث : أنه جمع : زليف . قال أبو البقاء ؛ « وقد نطق به » ، يعني : أنهم قالوا : زليف ، وفعيل : يجمع على فعل نحو ؛ رغيف ورغف ، وقضيب وقضب ، وقرأ مجاهد وابن محيض باسكان اللام ، وفيها وجهان : أحدهما : أنه يحتمل أن تكون هذه القراءة مخففة من ضم العين ، فيكون فيها ما تقدم . والثاني : أنه سيكون أصل من باب اسم الجنس نحو : بسرة وبسر ، من غير اتباع ، وقرأ مجاهد وابن محيصن أيضا في رواية : « وزلفى » بزنة حبلى جعلوها على صفة الواحدة المؤنثة اعتبارا بالمعنى لأن المعنى على المنزلة الزّلفى أو الساعة الزّلفى ، أي : القريبة وقد قيل : إنّه يجوز أن يكونا أبدلا التنوين ألفا ثم أجريا الوصل مجرى الوقف ، فإنهما يقرآن بسكون اللام ، وهو محتمل ، وقال الزمخشري : « والزّلفى بمعنى الزّلفة ، كما أنّ القربى بمعنى القربة » . يعني : أنه مما تعاقب فيه التاء التأنيث وألفه . وفي انتصاب « زُلَفاً » وجهان : أحدهما : أنه نسق على « طَرَفَيِ » فينتصب الظرف ، إذ المراد به ساعات الليل القريبة . والثاني : أن ينتصب انتصاب المفعول به نسقا على « الصَّلاةَ » قال الزمخشري - بعد أن ذكر القراءات المتقدمة - : « وهو مما يقرب من آخر النهار من الليل » ، وقيل : « وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ » : وقربا من الليل ، وحقها على هذا التفسير أن يعطف على « الصَّلاةَ » - أي : « أقم الصلاة طرفي النهار ، وأقم زلفا من الليل على معنى : صلوات يتقرب بها إلى اللّه - عزّ وجلّ - في بعض الليل » . والزّلفة : أوّل ساعات اللّيل ، قاله ثعلب ، وقال الأخفش وابن قتيبة :